أبي طالب المكي

343

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

يذهبوا بالأجر كلَّه . فقال كلاما شكرتم لهم وأثنيتم به عليهم . ولذلك أمر به صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر فقال : من أسدي إليه معروف فليكافئ به ، فإن لم يستطع فليثن به . وفي لفظ آخر : من أسدى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تستطيعوا فأثنوا به خيرا وادعوا له حتى يعلم أن قد كافأتموه ، والخبر العام بمعنى ذلك : من لم يشكر الناس لم يشكر الله . وقد روينا في معنى الحدث لفظة غريبة جاءت من طريقين ، وهو : من لم يذكر الناس لم يذكر الله عزّ وجلّ أن يذكرهم في العطاء ويثني عليهم به ، والنوع الثاني من التفضيل أنّ على المعطي أن لا يحبّ أن يذكر معروفه ولا يشكر فإن علمت من يقصد ذلك ويحبه منك فهذا يدل على نقصان علمه وقوة آفات نفسه ، فترك الثناء على مثل هذا والكتم من الفقير أفضل ، فإن شكر له فأظهر عطاءه فقد ظلمه لإعانته إياه على ظلم نفسه ، وقد قوى آفات نفسه ، وهذا إذا فعله به من المعاونة على الإثم والعدوان فقد كان ينبغي للمعطي أن ينصره إذا كان ظالما من حيث لا يعلم بأن يخفي عليه ما يعمل والله أعلم بالصواب . نوع آخر من التفضيل في الآخذ للفقير . إنّ من الناس من يستوي عنده إظهاره للعطاء وإخفاؤه لصحة يقينه بذلك وإخلاص نيته فيه ونفاد مشاهدته بدوام نظره إلى المنعم الأول ، فهذا إن قبلت منه علانيته صلح وإن أثنيت عليه بذلك جاز لقوة معرفته وكمال عقله وسبق نظره إلى مولاه فيما وفقه به وتولاه ، فيشكر له ذلك ويراه نعمة منه ، ولمثل هذا جاء الخبر المشهور : إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في قلبه ، . وقال بعض العارفين : يمدح الرجل على قدر عقله . وقال الثوري : من عرف نفسه لم يضرّه مدح الناس له . النوع الرابع من التفضيل من الناس من إذا أظهر معروفه فسد قصده بذلك واعتورته الآفات من التزين والتصنع ، فمثل هذا لا يصلح أن يقبل منه ما أعلن به لأنه يكون معينا له على معصيته ، وهذا أيضا لا يصلح أن يثني عليه ، فإن ذكر بمعروفه أو مدح به ، كان ذلك مفسدة له واغترارا منه لقوة نظره إلى نفسه ونقصان معرفته بربه ، فمن مدح هذا فقد قبله ومن ذكره بمعروفه فقد أعانه على شركه ، ومدح رجل رجلا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ضربت عنقه . لو سمعها ما أفلح وقد كان هو صلى الله عليه وسلم يثني علم قوم في وجوههم ومن حيث يسمعون لثقته بيقينهم وعلمه أنّ ذلك مزيدا لهم . وقال لرجل أقبل إليه : هذا سيّد أهل الوبر . وقال لآخر من حيث يسمع : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه . وتكلم رجل بكلام فصل فأعجبه فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنّ من البيان سحرا . وقد كان يخفي الثناء على آخرين إذا علم أنّ ذلك خير